نصر حامد أبو زيد
72
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
« فاهجر » ، وليس لذلك من دلالة سوى أن النص الذي لم يكلف محمدا فيما سبق إلا بالقراءة يكلفه الآن بمجموعة من الأفعال تستلزم القيام . إن الأمر بالانذار والأمر بتكبير الرب - وهو الرب الذي كشف عن نفسه في النص السابق - يمثلان محورا واحدا ، بينما يمثل المحور الثاني الأمر بتطهير الثياب والأمر بهجر الرجز . إن الأمر بالانذار يتضح فحواه من الأمر بتكبير الرب ، ذلك أن تكبير الرب يستلزم تصغير الأرباب الأخرى وهذا من شأنه أن يكشف دلالة فعل الانذار من ناحية مضمونه ومحتواه . وفي المحور الثاني يتقابل الأمر بتطهير الثياب - النظافة الشكلية - مع الأمر بهجر الرجز ، وهي النظافة المعنوية . ومن اللافت للانتباه هنا أن التعبير عن ذلك بالفعل « فاهجر » يعني هجر كل ما عليه قومه من عادات وأعراف وعبادات من جهة ، كما أنه يومئ من جهة أخرى إلى أن محمدا - قبل البعثة - لم يكن مهاجرا لقومه مثل زيد بن عمرو بن نفيل . إن الأمر بالهجر هنا يمثل بداية الانفصال بين الجديد والقديم ، وهو أمر يتجاوب مع الأمر بالانذار فيلتقي المحوران على الوجه التالي : يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر من هنا يصعب أن نتقبل اجماع المفسرين على أن المقصود بتطهير الثياب « تطهير النفس مما يستقذر من الأفعال ويستهجن من العادات » « 1 » ، ذلك أن هذا التأويل المجازي يجعل من الأمر بهجر الرجز نوعا من التكرار و « الاطناب » وهي ظاهرة لا يستدعيها الموقف كما سبقت الإشارة . إن الأمر بتطهير الثياب أمر حقيقي في مجتمع صحراوي يعاني من ندرة الماء ، وتعدّ نظافة الثياب فيه من علامات النبل وحسن المظهر الذي يجعل الشخص مقبولا في أعين القوم ، ولعلنا لا نغالي إذا ذهبنا إلى أن الفخر بنظافة الثوب في الشعر الجاهلي فخر بنظافة حقيقية ، وان دلالتها تطورت بعد ذلك ، أي بعد انتقال العرب من جزيرتهم وسكنهم حول مجاري الأنهار في الأقطار المفتوحة . وهذا يمكن أن ينطبق أيضا على الدعاء بالسقيا للديار وللقبور . إن هذه الأوامر المتوالية بدءا من القيام وانتهاء إلى هجر الرجز تبدو بالنسبة للمتدثر في غطائه - الطالب للدفء والأمان من مخاوف شتى تعتريه - عبئا ثقيلا ألقي على كاهله دفعة
--> ( 1 ) الكشاف : الجزء الرابع ، ص 180 .